in ,

انعكاسات الهجرة الدولية على البنية العمرانية والسكانية ببلاد الريف

إعداد :
فكري الأزرق

سببت الهجرة الدولية تحولات عميقة في البنية العمرانية،

بل وانقلابا على مستوى أشكال وأنماط السكن ببلاد الريف، إذ تحول السكن من قروي مرتبط بالأرض والفلاحة والأسرة المركبة… إلى شبه حضري مرتبط أساسا بعائدات الهجرة الدولية وزراعة الكيف، فحيثما كانت الهجرة الدولية قوية، ارتفعت نسبة المساكن الصلبة، والعكس صحيح، والدليل على ذلك هو أن هذا النوع من البناء لا يمثل إلا 25% بجماعتي هوارة أولاد رحو وتادارت مثلا، بينما ترتفع النسبة إلى أكثر من 50%  بكل من جماعة تفرسيت وبني شيكر وبودينار ودار الكبداني وفرخانة وأركمان.

ونفس هذه الملاحظة يمكننا تسجيلها في مناطق الهجرة الدولية الأخرى، حيث ترتفع نسبة المساكن الصلبة بجماعات أخرى معروفة بتصديرها لليد العاملة إلى الخارج كآيث بوعياش، إمزورن، أجدير…، كما ترتفع أيضا نسبة هذه المساكن في مناطق زراعة الكيف ببلاد غمارة وصنهاجة، بنسب متفاوتة، وتبقى منطقة الريف الشرقي رائدة وطنيا في العقود الماضية من حيث عصرنة البناء، وإذا كانت نسبة السكن الصلب قد بلغت 43,85%  بالريف الشرقي، فإن هذه النسبة لم تزد بالمغرب عن 40,1% حسب نتائج إحصاء 1994، وهذه العصرنة لا تقتصر فقط على البناء ولا الشكل الخارجي، بل تدخل في أكثر تفاصيل السكن، جاعلة السكن القروي الريفي نسخة طبق الأصل لنظيره المديني سواء من حيث المرافق (المطبخ، المرحاض، الحمام، الصالون..) أو من حيث استعمال الجبس والصباغات الحديثة والزليج … وغيرها من تفاصيل السكن الحضري / العصري.

 

وفي جهة الريف الغربي، يمكن أن نسجل التغيير الكبير الذي عرفه التنظيم التقليدي للمجال القروي،

بفعل الأموال التي توفرها الهجرة الدولية، التي أدت إلى تضخم بعض الأسواق لتصبح مراكز حقيقية قريبة من المدينة أكثر منها إلى القرية في الكثير من التفاصيل الدقيقة، فتارجيست التي كانت سوقا قرويا أسبوعيا ومركزا عسكريا قديما (1900 نسمة سنة 1971، و 3900 نسمة سنة 1982) أصبح مظهرها يوحي بمدينة صغيرة (9593 نسمة سنة 1994 لكنها اليوم تضم ما بين 12 و 13000 نسمة، بالإضافة إلى التوسع خارج المدار الحضري) ، ويعود أصل تارجيست إلى إحدى مراكز المقاومة المسلحة الريفية التي قادها مولاي موحند بن عبد الكريم الخطابي، خلال فترة حرب الريف (1921-1926)، ثم مركزا للاستعمار الإسباني بعد استسلام مولاي موحند ونهاية المقاومة المسلحة الريفية، وقد عرفت حركة بناء قوية، وتعرف تنوع أنشطتها الاقتصادية بين التجارة والخدمات والأنشطة الحرفية، والتجهيزات البنكية والأفران والحمامات والفنادق… وغيرها، وهي إحدى أهم المراكز الريفية التي عرفت في العقود الأخيرة تطورا سريعا مس مختلف بنياتها الاجتماعية والاقتصادية شأنها شأن باقي المراكز الحضرية بالريف التي عرفت تطورا سريعا في العقود الأخيرة كإمزورن، آيث بوعياش، قاسيطة، زايو…الخ. وتعبر كل التغيرات التي شهدتها ولا تزال تشهدها هذه المراكز الحضرية عن الحضور القوي لاستثمارات المهاجرين المنحدرين من المنطقة وعائلاتهم، حيث تشير الأرقام بتارجيست إلى أن ملكية 75 إلى 80% من المساكن في بعض الأحياء تعود للمهاجرين، وهذه المدينة تشكل أيضا نقطة التقاء بلاد الكيف وبلاد الهجرة الدولية، أو إن صح التعبير الحد الفصل بين المنطقين، وهي المدخل لبلاد زراعة الكيف قدوما من الشرق.

والعوامل المذكورة المرتبطة بعائدات زراعة الكيف والهجرة الدولية، التي ساهمت في الكثير من التحولات التي عرفتها “تاركيست” تصدق أيضا على سلسلة من المراكز الصغيرة المتواجدة بين “تاركيست” ومركز “الحسيمة” كآيث حذيفة وآيث قامرة، وهذا ما جعل نسبة التمدن في إقليم الحسيمة تعرف تطورات مهمة، حيث انتقلت من 9%  سنة 1971 إلى 31% سنة 1994، ولم تتطور كثيرا في الفترة ما بين 1994 و 2006 حيث سجلت 31,33%، لتنخفض سنة 2010 وتسجل 30,32%، وهذا راجع في نظرنا إلى أسباب اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى، حيث ساهمت الهجرة الكثيفة من القرى نحو المدن، والهجرة الدولية، وعائدات تجارة الكيف… في ارتفاع أثمنة العقار بالمدن الريفية بصفة عامة، وهكذا شهدت أثمنة الشقق، والمنازل والبقع الأرضية ارتفاعات صاروخية في أثمنتها في العقود الأخيرة، خاصة بعد أواسط السبعينات، ففي مركز إمزورن مثلا عرفت أثمان العقار المبني ارتفاعا مهولا، إذ ارتفعت قيمة العقار المبني من فئة 100 متر مربع، من 100000 درهم سنة 1975 إلى 400000 درهم مع بداية التسعينات، أما بمركز “أزغنغان” القريب من الناظور، فإن الأثمنة مرتفعة أكثر بالمقارنة مع المراكز الحضرية القريبة من الحسيمة كإمزورن وآيث بوعياش، حيث تشير الأرقام إلى أن “القيمة الحقيقية التي تباع بها المنازل تتراوح ما بين 450000 و 700000 درهم سنة 1990″، ونفس الملاحظة يمكن تسجيلها في كل مناطق الريف القريبة من المراكز الحضرية، حيث ارتفاع نسبة الهجرة القروية نحو المراكز الحضرية يواكبه ارتفاع الطلب على السكن، وتطور عائدات الهجرة والأنشطة الاقتصادية الأخرى يواكبه استثمار في مشاريع العقار، خاصة من طرف الفئة الاجتماعية التي اغتنت في ظرف وجيز بسبب بعض الأنشطة التجارية الغير مقيدة بقوانين الدولة كالتهريب والمخدرات التي استثمرت كثيرا في العقار بهدف “تبييض الأموال” وهو ما أثر سلبا على السوق العقارية التي فقدت قيمتها الحقيقية، وأصبحت خاضعة للمضاربات، وفي هذا السياق يمكننا تسجيل ملاحظة أساسية، وهي أن معظم الدور السكنية المتواجدة في المراكز الحضرية بالريف، والمملوكة للفئة الاجتماعية المذكورة، أو للعمال المهاجرين الذين استثمروا في مجال العقار هي دور “فارغة”، تستعمل فقط لتبييض الأموال والمضاربات العقارية، حيث توجد أحياء، أو أزقة وشوارع بكاملها في ملكية بعض هؤلاء، فارغة بشكل دائم، وهذه الأشكال العقارية متواجدة بكثرة في مدينة الناظور وبعض المراكز الحضرية الأخرى بالريف، حيث تشير بعض المعطيات الإحصائية إلى كون 21% من المساكن بالريف الشرقي فارغة.

وهذا الاتجاه نحو الاستثمار في ميدان العقار دون غيره من الميادين، هو نتيجة لعوامل أخرى يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، منها ما هو مرتبط بالضمانات التي يوفرها القطاع، دون القطاعات الأخرى –خاصة الصناعية والتجارية- التي يكون فيها الاستثمار مخاطرة حقيقية، ومنها ما هو مرتبط بعدم توفر إمكانيات الاستثمار في المشاريع الكبرى التي تتطلب رأسمالا مهما، وتوفر فرص عمل كثيرة، كالنشاط الفلاحي والصناعي، والتي غالبا ما تُنجز خارج الريف ،لأسباب مرتبطة بالأساس بغياب فرص وشروط الاستثمار في ظل الحصار الذي تعاني منه بلاد الريف من طرف الدولة المغربية التي تُحارب كل مبادرات الاستثمار  في الريف، خاصة في القطاعات الانتاجية التي تتطلب يد عاملة مهمة، وذلك لأسباب سياسية معروفة.

 

Written by kawalissRif

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Loading…

0

أدوية خطيرة في صيدليات الناظور !!

افتتاح المؤتمر السنوي لمسجد التقوى فرانكفورت